الشيخ محمد حسين الحائري

188

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

واضح لان العلاقة المصححة للاستعمال كما يتحقق بين الكلي والجزئي باعتبار الكلية والجزئية كذلك يتحقق بين مدلول كل فرد وبين أكثر الافراد باعتبار الشمول والاندراج ولو على وجه مخصوص فلا وجه لعدم اعتبارها حينئذ وأما ثالثا فلان شمول ألفاظ العموم لما يندرج فيها من أفراد مفهومها قد يكون بطريق المطابقة كما في النكرة المنفية والمضاف إليها لفظ الكل وشبهه بناء على أن الموصوف بالعموم هناك نفس النكرة المقيدة كما هو الظاهر وقد يكون بطريق التضمن كما في الجمع المعرف فإن ما يتناوله من أفراد مفهومه أجزاء له لما عرفت من أن المراد به مرتبة معينة بالعهد وشبهه أو جميع الافراد على التقديرين تكون الآحاد أجزاء للمرتبة وليست بجزئيات للجمع لعدم صدقه عليها كما نبهنا عليه عند إبطال قولهم بإبطال اللام معنى الجمعية وصدق على كل ثلاثة منها فما زاد على تقدير تحققه غير مفيد لعدم تعلق القصد والحكم بمدلوله بهذا الاعتبار فدعوى أن شمول العام لما يندرج فيه من قبيل شمول الكلي لجزئياته لا من قبيل شمول الكل لاجزائه إنما يتم في القسم الأول دون الثاني وإن كان عمومه باعتبار تعلق الحكم به أفراديا إذ العبرة بدلالة العام لا بكيفية تعلق الحكم به فيرجع هذا عند التحقيق إلى الوجه الأول مع أن للخصم أن يعكس العلاقة في الأول فيجعل الاستعمال فيه من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجز في الكل حيث إن الكلي جز من الجزئي فيكون المراد بالرجل في قولك لا رجل الطبيعة مع بعض خصوصيات أفرادها فيختص النفي بها وعلى قياسه نحو كل رجل ولا يقدح اشتراطه بكون الجز بحيث يلزم من عدمه عدم الكل لان زوال كل كلي يؤدي إلى زوال جزئية المتقوم به وإن كان عرضيا كالضاحك فإن زواله يستلزم زوال فرده الذي هو تمام حقيقته كهذا الضاحك ولا ينافي عدم استلزامه لزوال الانسان إذ ليس الاطلاق باعتباره ولو سلم أن مبنى العرف ليس على هذه التدقيقات فلا ريب في مساعدته على الانتفاء في الذاتيات وهو كاف في إبطال ما أراده المجيب من عموم المنع نعم لا يلائم هذا البيان لما حررناه في محل النزاع وكيف كان فالتحقيق في الجواب أن يقال أنواع العلائق بأسرها إنما تعتبر حيث يساعد عليها الطبع على ما مر تحقيقه في أوائل الكتاب والبيان المذكور إنما ينهض بإثبات نوع منها في المقام وهو بمجرده لا يوجب جواز الاستعمال ما لم تثبت المساعدة المذكورة ومنها قوله تعالى وإنا له لحافظون والمراد به هو سبحانه وحده وأجيب عنه بأنه خارج عن محل النزاع أما أولا فلان الكلام في صيغة العموم لا في صيغة الجمع ولو تعسف في إدخالها بتفسير العام بما يتناول ذا الأجزاء كالثلاثة منعنا توجه النزاع هنا إليه وأما ثانيا فبأنه للتعظيم وليس من التعميم والتخصيص وذلك لما جرى به العادة من أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فيغلبون المتكلم فصار ذلك استعارة للعظمة ولم يبق معنى العموم ملحوظا أصلا وهذا الوجه مما ذكره بعض المحققين كالعضدي وغيره وفيه إشارة إلى ما قررناه في محل النزاع ويمكن استفادة التعظيم من تنزيل الواحد منزلة الجماعة ولعله بعيد في الآية ويمكن الجواب أيضا بأن المراد به تعالى مع الحفظة أو الحفظة خاصة فلا يكون مستعملا في أقل من ثلاثة ومنها قوله تعالى الذين قال لهم الناس والمراد به نعيم ابن مسعود باتفاق المفسرين ولم يستهجنه أهل اللسان وأجيب بأنه أيضا خارج عن محل النزاع إذ الكلام في تخصيص العام والناس هنا للمعهود وليس المعهود بعام وهذا الجواب وإن وقع ممن ينكر عموم المعهود رأسا إلا أنه هنا جيد لا ينافي ما ذكرناه من اختيار العموم لان ذلك يختص عندنا بما إذا كان المعهود جماعة كما أشرنا إليه وقد ينكر اتفاق المفسرين على ذلك ويمنع صحة إطلاق اسم الجمع المعرف على فرد واحد معهود لكن قد ورد التفسير به في رواياتنا المروية عن الأئمة عليهم السلام فينبغي توجيهه إما بجعله من باب التوسع في النسبة كما في قولهم قتل بنو فلان فلانا حيث أسندوا الفعل الصادر من الواحد إلى الكل توسعا أو بحمله على الجنس كما في قولهم فلان يركب الخيل أو بأن القائل المذكور لما قال ذلك من قبل جماعة كما يشهد به حكايته المعروفة نزل منزلة تلك الجماعة وأطلق عليه لفظ الناس وكيف كان فلا يكون الاستعمال بعلاقة العموم والخصوص ومنها أنه لا ريب في جواز أكلت الخبز وشربت الماء مع أن المأكول والمشروب منهما قدر قليل والجواب أن هذا أيضا خارج عن محل النزاع إذ كل من لفظي الخبز والماء ليس بعام بل هما للجنس واللام فيهما لتعريفه وكون المقصود بعض أفراده إنما يستفاد من تعليق الاكل والشرب بهما فإنه قرينة على أن ليس المراد بهما الجنس من حيث هو بل من حيث الوجود في ضمن بعض الافراد واعلم أنا لو جعلنا التقييد بالشرط من باب التخصيص لزم القول بجواز التخصيص المستوعب فيما إذا انتفي الشرط رأسا كما قال أكرم العلماء إن كانوا شعراء ولم يتفق عالم شاعر وتعميم النزاع المتقدم إليه بعيد جدا فإن إطباقهم على جواز أكرم زيدا إن كان شاعرا على خلاف لهم فيما لو علم الامر بانتفاء الشرط كما مر في بعض مباحث الامر يوجب إطباقهم في العام أيضا والفرق بين المثالين غير معقول تمهيد مقال في دفع إشكال قد تأتي إلا للاستثناء فتستعمل تارة في إخراج ما دخل في الحكم السابق سواء كان تناوله بدليا أو شموليا أفراديا أو مجموعيا على إشكال في النوع الأول وسواء كان دلالته على الشمول بالوضع أو لا وأخرى بمعنى لكن فتستعمل حيث يصح أن تستعمل لكن فيعتبر أن يكون الحكم السابق موهما لخلاف الحكم الثابت لمدخولها فيأتي بها استدراكا كالدفع ذلك الوهم سواء اختلف الحكمان في الكيف نحو جاءني القوم إلا حمارا أو لا نحو ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر والظاهر أنها في المثال متضمنة لنفي الحكم السابق عن اللاحق أيضا ولا حاجة فيه إلى الاضمار بخلاف المثالين الأخيرين فإن مفادها فيهما مجرد الاستدراك فينقسم إلى قسمين وقد تأتي بمعنى غير فتقع صفة